الشيخ محمد الصادقي
49
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وموسى هنا بطبيعة الحال يستعد للاستماع بكامله وقد يصح ما قيل فيه انه وقف على حجر واستند إلى حجر ، ووضع يمينه على شماله ، والقى ذقنه على صدره وأصغى بشراشره ، فأصبح كله أذنا صاغية واعية ، ومن أدب الاستماع حضور المستمع بكل محاضره ومسامعه ، تأهّبا لتعلمه وتفهمه ، ثم تطبيقه ونشره ، وذلك هو الاستماع الكامل الحافل لغايته ، وهو استماع الرسالة ورسالة الاستماع ، وإلا فلا سماع ولا استماع . فموسى الرسول هنا يستمع كرسول ، دون ما استمعه من قبل بما يتبنى شخصه قبل رسالته نبوءة شخصية : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » ( 28 : 14 ) . فقد كان اصطناعه مرحليا كسائر الرسل ، شخصيا كما يجب ثم رساليا « فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى » : وهنا يختصر الوحي في بدايته الرسالية في بنود ثلاثة مترابطة مع بعض ، التوحيد والعبودية والساعة ، وهي بصيغة أخرى : المبدء والمعاد وما بين المبدء والمعاد ، وهذه هي الأصول الموضوعية الرئيسية للشرعة الإلهية ككل وفي كافة الرسالات . ولماذا « لِما يُوحى » بعد « أَنَا اخْتَرْتُكَ » دون « ما أوحي » ؟ علّه لأنه مما يوحى لكافة الرسل ككل ، لا فقط لموسى ، بل « لما يوحى » على طول خط الرسالات ، إيناسا له بعامة الوحي وهامته : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14 . كلمات ثلاث هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، ومن ثم إلى إحدى عشر آية ، عرض لواجب الرسالة تدريبا لآياتها « وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ . .